وسبحان الله، إن كان عجيبًا سبق الصديق إلى
الإسلام، فلعل الأعجب من ذلك سبقه إلى الدعوة إلى هذا الدين، وحماسه لنشره
وحميته لجمع الأنصار له، وسرعته في تبليغ ما علم من الرسول صلى الله عليه
وسلم مع قلة ما علمه.

سَبَق الصديق إلى الدعوة إلى هذا الدين الجديد،
فإذا به يأتي في اليوم الأول لدعوته بمجموعة من الرجال قَلّ أن يجتمعوا في
زمان واحد، الرجل بألف رجل أو يزيد، أتى في اليوم الأول بخمسة هم:

عثمان بن عفان.
الزبير بن العوام.
سعد بن أبي وقاص.
طلحة بن عبيد الله.
عبد الرحمن بن عوف.
ما هذا؟! هؤلاء الخمسة، صناديد الإسلام، وعباقرته،
أتوا جميعًا على يد الصديق؟ نعم، صِدْق، فهو الصديق، والحدث عظيم، ويحتاج
إلى وقفات، فبتحليل إسلام هؤلاء الخمسة يزداد المرء عجبًا:

الملحوظة الأولى:
ليس من هؤلاء أحد من قبيلة بني تيم إلا طلحة بن
عبيد الله فقط، وبقيتهم من قبائل أخرى فعثمان بن عفان أموي، من بني أمية،
والزبير بن العوام من بني أسد، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف من
بني زُهرة، فالاستجابة له لم تكن من باب القبلية، ولكن كما هو واضح كان له
صداقات قوية، وعلاقات وطيدة بكثير من أركان المجتمع المكي قبل الإسلام،
وهذا ولا شك أساس من أسس الدعوة.

الملحوظة الثانية:
أن أعمار هذه المجموعة كانت صغيرة جدًا، وبعيدة عن
عمر الصديق، فالزبير بن العوام رضي الله عنه كان في الخامسة عشر من عمره،
ومع ذلك لم يستقله أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأَسَرّ له بهذا السر
الخطير، سِرّ دعوة الإسلام في بلد لا محالة ستحارب هذه الدعوة، في الخامسة
عشر من عمره، هذا يعني أنه في سن ولد في الصف الثالث الإعدادي في زماننا،
يعني الزبير بن العوام أخذ قرار الإسلام وتغيير الدين ومحاربة أهل مكة
جميعًا وهو في الإعدادية، ويبدو أن تربيتنا لأطفالنا تحتاج إلى إعادة نظر،
فكثير منا ينظر إلى ابنه في الجامعة، وبعدها على إنه صغير لا يتحمل
مسئولية، ولا يأخذ قرارًا بمفرده، وطلحة بن عبيد الله كان أكبر من ذلك
قليلًا، وكذلك سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كان في السابعة عشر من عمره،
وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه نحو ذلك أيضًا، وكان أكبرهم هو عثمان ن
عفان، ويبلغ من العمر آنذاك حوالي الثامنة والعشرين.

إذن أبو بكر الصديق قبل الإسلام كان له علاقات
طيبة مع كل طوائف مكة على اختلاف قبائلها، وعلى تفاوت أعمارها، وعندما فكر
في تبليغ الدعوة بلغها للشباب من أهل مكة، وبالذات لأولئك الذين اشتهروا
بالطهر والعفاف، وحسن السيرة، فكان لهم بمثابة الأستاذ لتلامذته، سمعوا
له، واستجابوا، فكان خيرًا له ولهم، وللإسلام، والمسلمين، وهي إشارة لكل
الدعاة أن يعطوا قدرًا أكبر وأعظم للشباب، فعلى أكتافهم تقوم الدعوات.

الملحوظة الثالثة:
أنه بعد أن أتى بهذا الرعيل الأول، وهذا المجهود
الوافر، ما فتر حماسه، وما كلت عزيمته، ولكنه أسرع في الأيام التالية يأتي
بغيرهم، أتى بأبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه أمين هذه الأمة، وهو من
بني الحارث بن فهر، وكان يبلغ من العمر سبعة وعشرون عامًا، وجاء أيضًا
بالصحابي الجليل عثمان بن مظعون وهو من بني جمح، ثم أتى بالأرقم بن أبي
الأرقم وأبو سلمة بن عبد الأسد وهما من بني مخزوم، وما أدراك ما بنو
مخزوم، هي قبيلة تتنازع لواء الشرف مع بني هاشم قوم رسول الله صلى الله
عليه وسلم، فكيف أثر عليهما حتى يأتي بهما يدخلان في الإسلام تحت قيادة
رجل من بني هاشم؟

هذا أمر لافت للنظر ولا شك، ومن الواضح الجلي أن
الصديق رضي الله عنه كان قريبًا من قلوبهم إلى درجة أقرب من القبيلة
والعنصرية والعصبية وحمية الجاهلية، وغير ذلك من الدوافع المنتشرة في ذلك
الزمان، ومن الجدير بالذكر أن الأرقم بن أبي الأرقم رضي الله عنه والذي
فتح بعد ذلك بقليل بيته للمسلمين، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم يعقدون
فيه لقاءاتهم ويتعلمون فيه دينهم بعيدًا عن عيون مكة، ومعرضًا نفسه لخطر
عظيم وخطب جليل، جدير بالذكر أن هذا البطل المغوار والمغامر الجريء كان
يبلغ من العمر ستة عشر عامًا فقط، ولا تعليق.